• ×

07:27 صباحًا , الخميس 25 ذو القعدة 1441 / 16 يوليو 2020

من المضحكات... نصدِّر الحليب ونمنع تصدير الأسمنت!

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
أرجو العلم أني في هذا المقال لا أدعو لإيقاف تصدير الحليب والبطيخ والبطاطس... بل أرى ضرورة تصدير ما لدينا من إنتاج فائض عن الحاجة، إذا كان هناك فائض.. والمفروض بسبب ما سأقوله لاحقاً أن يتم تجميد إنتاج تلك الأصناف وتقليص التصدير تدريجياً بمقدار نمو الاستهلاك المحلي، بحيث يتم في المستقبل إيقاف التصدير نهائياً عندما يرتفع الاستهلاك المحلي إلى معدلات الإنتاج الحالية.

إني لا أدعو لإيقاف تصدير الحليب والبطيخ والبطاطس.. ولكن أتعجب غاية العجب من السماح بتصدير تلك الأصناف الغذائية المعانة التي يكلفنا إنتاجها أكثر من الربح الذي تجنيه الشركات المنتجة من بيعها... وفي الوقت نفسه نمنع تصدير الأسمنت الذي يتراكم الآن في مستودعات المصانع بسبب تراخيص وزارة التجارة مع أن إنتاج الأسمنت لا يخضع للإعانة، ولا يكلفنا شيئاً ذا بال.
يقول وزير المياه إن إنتاج لتر الحليب يكلفنا 500 لتر من الماء.. وكيلو البطاطس يكلفنا أيضاً 500 لتر من الماء، وكيلو البطيخ يكلفنا 700 لتر من الماء، وحسب أرقام أخرى لوزير المياه، فإن الـ500 لتر من الماء، تكلفنا ريالين ونصف الريال، وإذا أضفنا لذلك كلفة الأعلاف المعانة التي تحتاجها الأبقار والقروض والإعانات الأخرى، فإن النتيجة أن الحليب والبطاطس والبطيخ تكلفنا أكثر بكثير مما يربحه المنتج من البيع، سواء في الداخل أو الخارج.. أي إننا نخسر بتصديرنا تلك الأصناف ومع ذلك نصدرها. ولا بأس من ذلك طالما أن عدم التصدير سيؤدي لخسارة أكثر في ظل الإنتاج الحالي الزائد عن الحاجة...؟ ولكن كيف نتبع تلك السياسة التصديرية بالنسبة لتلك الأصناف وفي الوقت نفسه نستخدم سياسة أخرى معاكسة بالنسبة لصناعة الأسمنت، فنمنع التصدير مع أن الأسمنت يتكدس الآن بكميات ضخمة... وإنتاجه لا يكلف عدا المحاجر.
بصراحة قرار عدم تصدير الأسمنت كان قراراً لافتاً للنظر... لأنه كان لدينا حين تم إيقاف التصدير كميات كثيرة فائضة عن الحاجة تماماً مثل زيادات الحليب والبطيخ والبطاطس التي اقتضت السماح بالتصدير... صحيح أنه كان هناك عدم انضباط وفوضى في تصدير الأسمنت أديا لتراجع الكميات المخصصة للداخل عن الحاجة الفعلية، فحصل تصاعد في أسعاره، ولكن هذا لا تسأل عنه شركات الأسمنت كما يبدو، بل المصدرين والجهات الحكومية المراقبة لعمليات التصدير.
سيقال لماذا حصل الخلل في تصدير الأسمنت ولم يحصل في تصدير الحليب.. والجواب بسيط في رأيي، وهو أن أسعار بيع الحليب في الدول المجاورة مقاربة لسعر البيع في الداخل، أي إن الشركات المنتجة تفضل البيع في الداخل لو توفر الطلب، وهذا بعكس الأسمنت الذي كانت أسعاره في الدول المجاورة وما زالت أعلى من أسعاره في الداخل، وهذا أدى لقيام بعض وكلاء البيع في الداخل بتصدير كميات من حصصهم رغبة في الربح، فحصل الخلل الذي كان يفترض علاجه من وزارة التجارة بأساليب مناسبة وهي سهلة وكثيرة وليس بمنع التصدير.
إن مطالبة شركات الأسمنت بتخفيض أسعارها في الداخل مقابل السماح لها بالتصدير في الخارج هي بالتأكيد لصالح المستهلك، ولكن هل هذا جائز...؟ أم إن سعر الأسمنت في الداخل محكوم بالمعايير نفسها التي تحكم أسعار الحديد والحليب والأسمدة والبتروكيماويات والكابلات...؟ إذا كانت مساومة شركات الأسمنت جائزة لتخفيض السعر في الداخل مقابل التصدير للخارج، فالأولى أن يطبق هذا على الأصناف التي زادت أسعارها في العام الماضي والذي قبله مثل الحليب والسماد والبلاستيك قبل أن يطبق على الأسمنت الذي لم تزد أسعاره في المصانع، لا العام الماضي ولا الذي قبله، ولا حتى من 10 سنوات، إلا ربما زيادة طفيفة لا تكاد تذكر.
بصراحة... عندما أتأمل سياسة وزارة التجارة التي تطبقها مع مصانع الأسمنت وسياستها الأخرى التي تطبقها مع منتجي الحليب والبطاطس والبطيخ أجدها غير متوازنة.. أما عندما أتأمل منع تصدير الأسمنت بمعزل عن غيره وفي هذه الظروف المالية الصعبة التي تحرص معها كل دولة على إيجاد منافذ لصادراتها، فإني أتعجب من موقف وزارة التجارة الذي أعطى الدول المنافسة فرصاً على حساب المملكة.

ولذلك فإنه لو قيل لشخص غير متابع إن المملكة تمنع تصدير الأسمنت بالظروف والأوضاع التي شرحتها، وتجيز تصدير الحليب والبطيخ والبطاطس بأوضاعها الراهنة أيضاً ربما لم يصدق ولقال... حدث العاقل... وأقول... كم لدينا من المضحكات.

بواسطة : alfarsha
 0  0  470
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 07:27 صباحًا الخميس 25 ذو القعدة 1441 / 16 يوليو 2020.