• ×

07:06 صباحًا , الخميس 25 ذو القعدة 1441 / 16 يوليو 2020

سعيد وهو مبتور الساقين

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
كانت أحلامه كبيرة ولم يتوقف عند حدود الحلم ولكنه نجح في تحويل بعضه إلى حقائق حين بدأ العمل في التجارة، وسرعان ما تفتحت له أبواب الرزق ونمى رأسماله بسرعة وزادت أرباحه ولكن سرعان ما داهمته الفوضى في إدارة هذه الأعمال، وربما ثقته الزائدة بنفسه أو طيبته الزائدة أو الجهل بأصول الإدارة أو كلها أسباب كامنة وراء خسارته التي باتت تظهر على السطح، وكأن التدرج السريع في الصعود رافقه تدرج سريع أيضا في الخسارة، ومع تتالي الخسائر اضطر للاقتراض لترقيع عمل هنا أو استمرار عمل هناك، ولكن مع الزمن لم يفد الترقيع، كما لم تفد المسكنات، تتالت عليه المطالبات المالية من كل حدب وصوب واضطر لبيع أعماله واحدة تلو الأخرى، وحين عرض أحد محلاته التجارية للبيع بالمزاد كانت آخر بقع الأمل المضيء تتلاشى أمام عينيه...انتهى المزاد واستلم المال وخرج ومسحة حزن على وجهه لا ينافسها إلا شعور بالضعف استولى على كل خلية في جسده، خرج من محله مسرعا ولكنه وقف بعد عدة أمتار لينظر وراءه وكأنه يودع ذكريات جميلة ربطته بذلك المكان، ثم أدرك أن لابد له من متابعة السير بعيدا عن كل النجاحات التي باتت جزءا من الماضي سار متثاقلا في الشارع لا يدري إلى أين يذهب وجل تفكيره انحصر في كيفية معاودة نشاطه التجاري، وهو الذي لم يبق بين يديه إلا ذلك المبلغ الذي استلمه قبل قليل نتيجة بيعه لآخر محل تجاري كان يملكه، وفجأة اضطر للوقوف حين وقف الناس أمام إشارة مرور حمراء وخرج من شروده حين وقع نظره على رجل كان بجانبه مقطوع الساقين يحمل جسده لوحا من الخشب يسير على أربع عجلات صغيرة وفي كل يد يمسك قطعة من الخشب يستند عليها حين يسير فيثبتها في الأرض ليسحب جسمه فوق لوح الخشب المتحرك على العجلات، وقف متأملا هذا الرجل الذي يسير بلا رجلين على لوح الخشب، تسمر في مكانه حين رأى هذا الرجل ينزل من على لوح الخشب ويحمله من الرصيف إلى الطريق ليركب ثانية فوقه حتى إذا وصل للرصيف الثاني نزل مرة أخرى ليحمل لوح الخشب فوق الرصيف الآخر، ثم يتسلق الرصيف ليحمل جسده فوق لوح الخشب مرة أخرى، رفع الرجل مبتور الساقين رأسه مبتسما ليقع بصره على صاحبنا وليخاطبه بجملة أيقظته من غيبوبته قائلا: ألا ترى معي ياسيدي أن هذا النهار جميل؟ ابتسم صاحبنا مجاملا قائلا: نعم هنا فقط أدرك أن المشكلة لا تكمن في الخسارة ولا في صعوبة ظروف الحياة ولكنها تكمن في نظرته لما حوله، وهنا فقط تذكر أن ذلك الرجل الذي يسير بلا ساقين كان أسعد حالا منه وأن خسارة ساقيه لم تكن سببا لرؤية الدنيا مظلمة سار وهو يقول: سبحان الله رجل سعيد مع أنه بلا ساقين ووجد طريقة ليسير فيها في هذه الحياة وأنا أعقت نفسي مع أني أملك كل وسائل الانطلاق...مشى وكله عزم على أن يوظف ما بين يديه من مال قليل مقارنة بما كان يملكه من أموال وأعمال، وقرر أن يمتثل لقاعدة رسمت معالمها في ذهنه بمجرد أن ترك الرجل مبتور الساقين: « كيف لي أن أحزن لفقد حذاء جميل في حين أن هذا الشخص سعيد وهو بلا ساقين»؟

بواسطة : alfarsha
 0  0  455
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 07:06 صباحًا الخميس 25 ذو القعدة 1441 / 16 يوليو 2020.